lundi 28 janvier 2019

كتب محمد بنيس الصادرة حديثا

كتب محمد بنيس الصادرة حديثا


باللغة العربية


الأعمال الشعرية و النثرية

 

 

كالحب، كالحياة ميشيل دوغي منتخبات شعرية موسعة بترجمة محمد بنيس




محمد بنيس يترجم ميشيل دوغي

2019
أصدرت مؤخراً دار توبقال للنشر بالدار البيضاء، منتخبات شعرية موسعة بترجمة محمد بنيس، تحمل عنوان كالحب، كالحياة للشاعر ميشيل دوغي (من مواليد 1930)، أحد أهم الشعراء الفرنسيين لمرحلة ما بعد الحركة السوريالية. يشمل الكتاب قصائد ونصوصاً من إنتاج الشاعر وتجربته عبر مراحلها المختلفة، من خلال دواوين "شبه الجزيرة" (1962)، "أنهار بين شلالات" (1964)، "إشاعة" (1965)، "إعطاء ما يعطي" (1981)، "ممددون" (1985)، "إلى ما لا يطاق" (1995)، "لو لم يكن القلب" (2011)، ويختتم بقصيدة "نثر الكفن" (2015)، مرثية للشاعر عبد الوهاب المؤدب، كانت صدرت في كتاب ومترجمة إلى عشرين لغة. يقع الكتاب في 260 صفحة من الحجم الكبير، وقد خص المترجم المنتخبات بمقدمة مفصلة تعرف بالشاعر وبشعريته، التي تؤالف بين بناء القصيدة والتأمل الفلسفي.
و كمدخل لعوالم هذا الشاعر و قصيدته تقتسِمُ صفحة محمد بنيس في الفايسبوك، مع متتبعيها، هذه الفقرات من مقدمة كتاب : "كالحب ، كالحياة " معززة بنماذج أولى من منتخبات شعر ميشيل دوغي ، تلحقها نماذج أخرى ، تنشرها الصفحة ، على امتداد شهر يناير الجاري :

كالحب، كالحياة *

ميشيل دوغي في قصائد

ترجمة محمد بنيس


1.
مثل بركان ينفجرُ من أعماق سحيقة، حاملاً آثاراً تتراصُّ فيها وتتوحّدُ طبقاتٌ من الثقافة الأروبية : شعراً، نثراً، فلسفة، منذ العهد اليوناني، متموّجةً بترانيم وتراتيلَ مسيحية (كاثوليكية رومية)، مع تمرداتٍ عليها تظهر في النصوص حيناً بعد حين. بهذا يمكن لي أن أوجزَ الصورةَ التي أرى من خلالها شعر ميشيل دوغي، أحد أهمّ الشعراء الفرنسيين لمرحلة ما بعد الحركة السوريالية.

2.
ميشيل دوغي باريسي معاصر (حسب نظرية الشاعر المفتوحة إلى المعاصرة)، من مواليد عام 1930. ابن عائلة برجوازية، متديّنة، تحترم الطقوس والشعائر في البيت كما في الكنيسة. أما تعليمه فقد تلقاه في المدرسة العمومية، اللائكية. حرص في تكوينه الشعري والثقافي على التجذر في الثقافة الأروبية والتمسك بها. يُديم الرحيل، في كتاباته، بين أزمنة هذه الثقافة وأرْوقتها. وفي ظلالها تمتد أعماله وتتشعّب. فهو ينطلق من مبدإ استمرارية الماضي في الحاضر، لا من رفضه أو "محو آثاره"، كما يقول بريخت مثلاً. " لا نقاشَ في محو الآثار. يكتب ميشيل دوغي، ولستُ أنا الذي يخترعها : فالفترة الزمنية تلفّ، تُعيدُ تدْوير جميع البقايا. يجبُ تحويل كلِّ شيءٍ إلى آثار، وهو ما نعيشه في كل لحظة."
يعتبر ميشيل دوغي نفسه مُخْفقاً، تبعاً لما كتبه ستيفان ملارمي هو الآخر : " مُخْفقون، نحن كذلك جميعاً." فهو أخفق في مباراة الالتحاق بالمدرسة الوطنية للإدارة، فيما كان جميع رفقائه متأكداً من نجاحه. ويعطي هذا الإخفاق بُعداً وجودياً. كما أنه لم يكن، على مستوى الالتزام السياسي، مثقفاً منخرطاً في قضايا زمنه، مثل حرب الجزائر، أو منتمياً إلى الحزب الشيوعي، على غرار عامة المثقفين الفرنسيين، منذ العشرينيات حتى نهاية الثمانينيات من القرن الماضي. كان إلى حد ما سارترياً، وقريباً من فلسفة مارلو بونتي. ثم كان بين 1953 و1954 يميل، وهو ابن ثلاث وعشرين سنة، إلى مانديس فرانس "الدوغولي اليساري". لكنه شارك في مظاهرات 1968، وعندما طُلب منه أن يلتحق بجامعة فانسين، معقل الحركات اليسارية، وافق على التدريس فيها، رغم أنه لم يكن من المنتسبين إلى حركة 68. على أنه، كما يصف نفسه، لم يكن رجعياً على الإطلاق.

3.
إذنْ، هو شاعر خارج التصنيف اليساري لزمنه. نشر ديوانه الأول ثقوبُ رمْي السهام سنة 1959، وفي السنة الموالية توفّق في نشر ديوانه الثاني في دار غاليمار، أعرق دور النشر الفرنسية. ثم أصبح أحد أعضاء لجنة القراءة فيها، حتى جاءت لحظة طرده من اللجنة والقطيعة معها، كما تناول الموضوع في كتاب اللجنة، الصادر عن دار شان فالون، سنة 1988. هي قطيعة في سياق حياة مشحُونة بالصراعات الثقافية. لا ينتهي صراع حتى يتأجج صراعٌ جديد. حياة ذاق خلالها مرارة أساليب الحقد وخيانات الأصدقاء، مثلما ذاق مرارة الإخفاق. إخفاق بعد إخفاق. ولا يتراجع الشاعر عن تحمّل مسؤولية ما يقع له قائلاً : " لا آخذ مكانَ ولا وضعيةَ متابَع أمام القضاء، يدافع عن نفسه باعترافات؛ ولا مكانَ المحامي، أو الشاهد. بل مكان القاضي؛ الحكيم، العارف بخبايا الأمور." لكن الإخفاقات تخلق في أعماقه قوة متجددة، ومن حفرته ينتفض، يمشي، يواصل المشْي، في الشعر، في الكتابة، في الصراع وفي الحياة.

4.
لميشيل دوغى سلسلةٌ من دواوين ودراسات عن الشعرية، تجمع بين الشعر والفكر الفلسفي. ولديه أيضاً كتاباتٌ تؤكد على "الشغف بالتفكير" في الحياة والثقافة على السواء؛ وترجمات من الألمانية أولاً، ثم من الإنجليزية (الأمريكية). نشر ما يقرب من خمسين كتاباً. وهي، في تنوعها واتساع حقولها بين الشعر والنثر والفكر والترجمة، تتمنّعُ على الاختزال.
أعمال تمتد رؤوسها نحو اتجاهات مختلفة. لا فرق بين قارئ مختص، دارس، وقارئ مُحب للشعر. فهي تعود بدون توقف إلى طرح العلاقة بين الشعر والفلسفة، أو بين بين الشعر والفنون المختلفة، أو بين الشعر والبيئة، أو بين الشعر والحياة. أعمال تعْبر الحداثة. والعُبور يتم من خلال "الشغف بالتفكير"، الذي يتجسّد في النص المفرد، مثلما يتجسّد في الكتاب، في النصوص المتعددة الأشكال، مجتمعة في كتاب واحد، كما هو الأمر، مثلاً، في الكتابين قبر دوبيللي و الحياة المباغتة. في الكتاب الواحد تلتقي القصائد والتأملات والتنظيرات. تتوالى أو تتقاطع. ما المانع؟ ليس هذا سؤال الشاعر المعاصر ولا سؤال الحداثة.
لا أعرف شاعراً فرنسياً، حديثاً أو قديماً، جمع بين الشعر والفلسفة على نحو ما جمعهما ميشيل دوغي. سقراط، أرسطو، باسكال، ديكارت، هيجل، نيتشه، هيدغر، حنا آرنت. أسماء فلاسفة تدور مع مختلف أصناف كتابات ميشيل دوغي دورتها الفلكية. تمضي لترجع، في عبارات، تعريفات، نظريات. هي نصفُ وجْه كتابته. وهناك، في المقابل، شعراءُ همْ في الوقت نفسه بمثابة آباء الشاعر وأصدقائه. هوميروس، لوكريس، دانتي، دوبيللي، شكسبير، هلدرلين، بودلير، رامبو، ملارمي، فاليري. فلاسفة وشعراء أروبيون جميعاً.

5.
شأن الشعراء، الواقفين على الحدود، واحدٌ، مهما كانت لغتهم وكان زمانهم، ما عدا المتصوفة الشعراء وشعراء الزن والبوذية. شأن هؤلاء الواقفين على الحدود هو نفسه شأن ميشيل دوغي، الذي دعا نقاداً فرنسيين إلى رفضه باعتباره شاعراً، وإلى رفض قصيدته باعتبارها شعراً. مع العمل ـ الأعمال، نحن أمام شاعر بأكثر من جناح. يكتب قصيدة ـ ديواناً تلو القصيدة ـ الديوان. لن أسقط في شرَك الجدل. ميشيل دوغي شاعر استثنائي، أو هو "شاعر قادم" حسب تعبيره، أو "الشاعر الذي أريد أن أكون"، كما يفضل أحياناً أن يقول.

عتَبــة
في المَساء عندما أدخلُ إلى غَابة نوْمي، ونظّاراتٌ من الظلّ فوقَ العيْنيْن المثْقلتيْنِ، مُنحّياً أشجاراً من الأضواءِ، عبْر مسالكَ مُعتمةٍ تُؤدّي إلى منْبع الدمُوعِ، تتقدّمني حُزْمةُ اللّيْل. ما يثْبتُ منَ النهار يتوجّهُ نحْو العيْنيْن الجامدتيْنِ.
ليلٌ كثيرُ الطَّرائدِ، أليْسَ هذا تقييداً ليدَيِ القصيدة ؟ وبودّي "لوْ أحبُّكِ" تُصبحُ "أُحبُّكِ"...
لكنْ عليْكَ بالأحْرَى أنْ تسْهرَ! لأن الأرضَ هي الطللُ الأكبرُ.
لا تُنقّبْ عن الأصْل الذي تحْتفظُ به، أوْ عن أثرٍ عظيمٍ يتحجّرُ فيه الغيابُ. يبوحُ الأملُ بأنّ بلداً ينتظرُكَ، فيه حبُّكَ للكتابةِ شهادةُ ميلادْ.

الرّيح
ريحٌ تهبُّ على القرْيةِ ! خشبُ البيوتِ يرْتجُّ، والماءُ المتجمّدُ فوق الزجاج يتفرْقعُ بفعلِ خُطواته القويةِ. كلُّ شيْءٍ قابلٌ لأنْ يكونَ مادّةَ خُرافةٍ، ويكونَ بالنسبة لي قليلاً منَ القصَائدِ. أمامَ العيْنيْن الجاحظتيْنِ يدور الشريطُ الوثائقي.
كيْفَ تكونُ في هذا العالم الجديدْ ؟
شجرةٌ ورأسٌ ودمٌ وريحٌ وثُقبٌ وتجاعيدُ ووشْوشاتٌ، والأذنُ تقْرعُ تحتَ ريح الدّم. رأساً لرأسٍ يضجّانِ، حفيفٌ، شجرتانِ تائهتانِ في لطخاتٍ منْ فراغٍ، مُسْتودعاتُ العظام الضّخْمةُ في المدَارات الألْفِ. عصْفُ الريح يحركُ شبَاك صُور الأشْجار فوق الصّخُور.
عصْفُ الريحِ... يوقدُ كلاماً...
هناك الريحُ !
ريحٌ تُغري الجذْرَ، وهي تكْتشفُ الفضاءَ من غيْر تبصُّرٍ !
ترفعُ الأذنيْنِ وهي تعْبُرُ
شجرةٌ تغرسُ في الترابِ ذهُولي وتمْضي هاجمةً على محْور اللّيْلْ

الخَائن
رياحٌ إقطاعيةٌ ضخمةٌ تُطاردُ الأرضَ
مُطاردةٌ خالصةٌ. تُميل الرياحُ القمحَ، تُغيّرُ مجْرَى الأنهارِ، تُطيّرُ التِّبنَ وتنزعُ ألواحَ الأرْدوازِ، رياحٌ سيِّدةٌ، ومجموعُ الناس ينْصبُ لها الفخاخَ من الحُور الرجْراجِ، يرفعُ أوتاداً من السّرْوِ، ويضعُ شبَاكاً من البامبُو في عرْض مسَالكها، ويعْترضُها بالنواعيرِ الهوائيّةِ.
الشاعرُ هو الخائنُ الذي يغذّي ريحَ الجنوبِ العاصفةَ ، يضبطُ إيقاعَها ويشدّها إلى قُدراتهِ الإبداعيةِ، يدلّها على مَسالك الأطرافِ والممرّاتِ الجبليّة.

شجرةُ التفّاح
انتظرتُ، كعاشق للحُقول يتواعدُ تحتَ شجَرةِ التفّاح الصَّلبةِ، وفي العشْب الذي يصْفرُّ ينتظرُ طيلةَ ما بعد الظُّهْر أسفلَ أطنانٍ من السُّحب. لا تأتي العشيقةُ.
ما هو تافهٌ، يمكن تطويقُه ـ حافةُ الأرْساغ الملتويةِ تضفرُ عيوناً بدوائرَ عديدةٍ، حلزونٌ منْ نعيقٍ يهْجمُ؛ حلَقةُ أصْواتٍ؛ ألَمي ألَمي، سمُوٌّ ينادي، وهْو يُلْقي على الأرْض هنا المنْهوكَ المتأوّهَ، لهذا النداءِ، عوليسُ ريفيٌّ (يصْطادُ الدجاجَ المرْعوبَ) ذو عيْنيْن لحِيمتيْن، وجهٌ مُعرّضٌ للريحِ، مغْشيٌّ عليْه ـ لا يتوقفُ عن "أين أنَا ؟"، ذاكرةُ هبَة الأشْياءِ الحذرةِ تتلمّسُ طريقهَا فوق طبقةٍ رقيقةٍ لجليدِ العالمِ.
تحتَ شجَرةِ تُفاحٍ فاتنةٍ، يتمدّدُ الشاعرُ لكن يثرثرُ بمُبالغةٍ تمنعُ كتابةَ قصيدةٍ (مع ذلك يتسلّق التيارُ العنيفُ أغصاناً خفيضةً، بحثاً عن عُشٍّ في مأْمن أخضرَ) هل قسْمتُنا ألاّ يخْطرَ على بالنَا بعدُ سوَى صراعَاتِ البشَرْ ؟


https://www.facebook.com/142864669108367/photos/a.293174297410736/2083836358344512/?type=3&theater 

mardi 6 mars 2018

جائزة أفضل الكتب إخراجاً تتوج كتاب "أندلس الشعراء" لمحمد بنيـس


جائزة أفضل الكتب إخراجاً
تتوج كتاب "أندلس الشعراء" لمحمد بنيـس

توّج المعرض الدولي للكتاب في بيروت يوم الجمعة فاتح دجنبر 2017، الكتاب الجديد "أندلس الشعراء" للشاعر محمد بنيس بجائزة الرتبة الثانية لأفضل كتاب إخراجاً.
صدر كتاب "أندلس الشعراء"، منتخبات أندلسية من الشعر والنثر، عن المركز الثقافي للكتاب (الدار البيضاءـ بيروت) في طبعة فنية راقية، مزينة بصور من قصر الحمراء في غرناطة وصورة فريدة من كتابة الخميادو، التي استحدثها الموريسكيون، مع تخطيط العنوان بخط أندلسي ـ مغربي. وضع التصور الفني للكتاب سمير السالمي، وخطط العنوان علي الداهية وقام بالإشراف الفني فؤاد بلامين. الكتاب من 310 صفحة، مربع الشكل، حسب جمالية المخطوطات المغربية، من حجم كبير، أهداه الشاعر لأستاذه الكبير، الدكتور محمد بنشريفة، الذي يمثل "ذاكرة الأدب الأندلسي في زمننا"، ووضع له مقدمة مفصلة وموثقة. وهو مقسم إلى ستة أبواب، تحمل أسماء نوبات من الآلة الأندلسية هي : الاستهلال، الماية، غريبة الحسين، عراق العجم، رصد الذيل، العشاق.
ومما جاء في التقديم : "تجمع هذه المنتخبات بين رؤية شعراء ورؤية كتّاب للأندلس. شعراء مسلمون، من بينهم أربع شاعرات، وإلى جانبهم شاعران يهوديان، بالإضافة إلى كتّاب، هم الذين انتقيت بعضاً من نصوصهم. يعتمد الاختيار تداخلات وتقاطعات بين نصوص شعرية ونثرية، من أزمنة مختلفة، كتبت أندلساً لا تزال تحتاج إلى الكشف، وقد أدمجت فيها نموذجاً شعرياً، يتبع طريقة بصرية هي التخـتيم، تكتبها العين من أجل أن تبنيَ مسرحاً ذهنياً للقراءة، ووضعتُ للكتاب تبويباً مستوحى من سهرة أندلسية متخيلة.
ويأتي اعتمادي هذا الإخراج لأقسام المنتخبات من أن أندلس الشعراء هي، بالأساس، أندلس الموسيقى والغناء، مثلما هي أندلس الزخارف والنقوش. اختيار شخصي، يضيء الطرق المتعرجة نحو ما لا نبلغه من أندلس الشعراء إلا بغبطة العاشق الذي جرّب العطش، فلم يزده الشرب إلا عطشاً، سفراً لا يتوقف عن السفر."

شطحات لمنتصف النهار محمد بنيس


محمد بنيس
كتاب  شطحات لمنتصف النهار


 2018 

صدر عن دار توبقال للنشر بالدار البيضاء كتاب" شطحات لمنتصف النهار"، في طبعة ثانية، مصححة، وقد كانت طبعته الأولى قد صدرت سنة 1996، في بيروت. هذا الكتاب له وضعية استثنائية في أعمال الشاعر محمد بنيس. فهو عبارة عن شذرات من سيرة ذاتية، مكتوبة بطريقة تجمع بين أسلوب الوصف وكثافة الشعر. كتابة جسد حيوي، تبحث عن جمالية مضادة، لا تستلم للغة الاعترافات السهلة أو لغة السرد المباشر، المطول. ستة وأربعون نصاً يستعرض محمد بنيس من خلالها لحظات من حياته الشخصية، اليومية، الثقافية، منذ سنوات الطفولة حتى بداية التسعينيات، وقد انتقل من فاس إلى المحمدية، ومن التدريس في المحمدية إلى كلية الآداب في الرباط، ومن الكتابة الشخصية إلى الحياة الشعرية والثقافية في السبعينيات والثمانينيات كما عاشها، في أوضاعها وصراعاتها. كتابة تستعيد الماضي لتتأمله بوعي يختار لغة المقاومة.

من نص "رؤية نفسي"
"أرضُ‭ ‬الكتابة‭ ‬أرْضي‭. ‬ولي‭ ‬في‭ ‬الكتابة‭ ‬وطنٌ‭ ‬وأصدقاء‭. ‬قديماً،‭ ‬كنت‭ ‬أنصتُ‭ ‬إلى‭ ‬نداء‭ ‬أرض‭ ‬الكتابة‭. ‬كنتُ‭ ‬أتوقعُ‭ ‬أرضها‭ ‬حرة،‭ ‬رحيمة‭. ‬من‭ ‬أجْلها‭ ‬غالبتُ‭ ‬وواجهْت،‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬يسرق‭ ‬مني‭ ‬غاصبٌ‭ ‬حقي في هذه‭ ‬الأرض‭ ‬المشتركة،‭ ‬حيث‭ ‬أفترضُ‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬شاعر‭ ‬يُصاحب‭ ‬فيها‭ ‬إخْوانه‭. ‬ويعيشون‭ ‬أخوّةَ‭ ‬المغامرة‭. ‬قديماً،‭ ‬تعهَّدت‭ ‬أن‭ ‬أعْطي‭ ‬جسدي‭ ‬لهذه‭ ‬الأرض،‭ ‬أن‭ ‬أقيم‭ ‬فيها،‭ ‬و‭ ‬أسافرَ‭ ‬فيها،‭ ‬بحثاً‭ ‬عن‭ ‬الصداقات‭. ‬ثم‭ ‬الأرضُ‭ ‬الحرة‭ ‬انكشفتْ‭ ‬لي،‭ ‬في‭ ‬السهَر‭ ‬البدْئيِّ‭ ‬مع‭ ‬أساتذة‭ ‬كنتُ‭ ‬أسمعُهم‭ ‬ينادُون‭ ‬عليّ‭. ‬عندها‭ ‬قلتُ‭ ‬لنفسي‭ : ‬إني‭ ‬أراكِ‭ ‬تائهة،‭ ‬حرة،‭ ‬تعبُرين‭ ‬هذه‭ ‬الأرضَ،‭ ‬وأراك‭ ‬تختارين‭ ‬ساعة‭ ‬العبور‭ ‬والصداقات‭. ‬أنتِ،‭ ‬أيتها‭ ‬النفْسُ،‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الأرض‭ ‬قريبةٌ‭ ‬من‭ ‬السابقين‭ ‬واللاحقين،‭ ‬المقيمين‭ ‬والعابرين‭. ‬قُرِّي‭ ‬عيناً،‭ ‬أيتها‭ ‬النفس، يا نفسي،‭ ‬بهذه‭ ‬الأرض،‭ ‬تابعي‭ ‬الطريق،‭ ‬طريقَك‭ ‬أنتِ،‭ ‬واعْلمِي‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬ينتَهي‭ ‬إلا‭ ‬ليبْدأ‭. ‬"

الأعمال النثرية لمحمد بنيس في خمسة أجزاء

 2017

صدرت  عن دار توبقال للنشر ، الأعمال النثرية لمحمد بنيس في خمسة أجزاء ، جاءت عناوينها كالتالي : الجزء الأول : في الكتابة و الحداثة ، الجزء الثاني: الشعر في زمن اللاشعر ،الجزء الثالث: تقاسم الأيام ، الجزء الرابع: لغة المقاومات ، الجزء الخامس : سيادة الهامش  
خص بنيس هذا الإصدار المميز بمقدمة عنونها بٍ 


النّثـرُ ومسَافاتُ الضَّوْء

1.
تدلُّ الممارسة النصية على مسافات الضوء في الشعر والنثر، كلُّ واحد منهما يمتلك مغامرتَه الخاصة. في الطريق يلتقيَان، يتوازيَان أو يتقاطعَان. ذلك ما أستخلصُه من أعمال نثرية بدأتُ كتابتَها في مرحلة لاحقة على صدور أعمالي الشعرية الأولى. ويمكن اعتبار "بيان الكتابة" أول نص له مسافةُ الضوء. كتبتُ هذا النص ـ البيان في لحظة كانت قصيدتي تغامر بالبحث عن بناء مختلف. كانت تحتاجُ إلى نص من خارجها، يقترب منها ويبتعد عنها. لم يكن ضوؤُها وحده كافياً لتستأنف الطريق. والنص ـ البيان ضوءٌ ينبثق على حدودها، من خارجها وداخلها في آن. معه بدتْ تفاعلاتُ القصيدة مع الذات واللغة والمجتمع، بما سيصبح في اللاحق رؤية تتجاوب فيها الوضعية المركّبة للكتابة والحداثة.
بهذا المعنى يكون الشعرُ بحاجة إلى النثر، والنثرُ بحاجة إلى الشعر. ثم الكتابةُ تخترق الحدود، تفتحُها على العبور المُتبادَل بينهما. ليس معنى ذلك أن الشعر والنثر متماهيان. إذ بينهما كثافةُ الذات الكاتبة، التي لا يمكن اختزالها في القصيدة. لكن كل واحد منهما يُلقي بضوئه الخاص في طريق الآخر. لا يتـمُّ تبادلُ الضوء بطريقة آلية، فنعتقدُ أن الانتهاءَ من كتابة قصيدة ينتظر النثرَ ليضيءَ جسدها، أو أن نصاً نثرياً يعني بداهةً أنه يقفُ على باب القصيدة، يتوسّل ضوْءَها. لا شيء من رؤية ميكانيكية كهذه.
في البدء كانت القصيدة، وهي تبقى وفيةً للبداية، التي تتجدد على الدّوام. تأتي وتذهب على الطرقات الألف للمُغامرة والتجربة. ثم النثر يفاجئُ القصيدة بما ينقلها إلى فضاء التأمل النظري والفكري، يعرضُ أوضاعَ اللغة، الزمن، الموروث، التداخلات الثقافية والشعرية، البناء، الذات، المصير، يتشبّثُ بالسؤال كحقيقة ملازمة للشعر. وبهذا يملك النثرُ بعضاً من الضوء الذي ليس من طبيعة ضوء الشعر.
2.
بعد "بيان الكتابة" تعدّدت الممارسة النثرية. منها ما كان استجابةً لسؤال القصيدة، ومنها ما كان إنصاتاً لنداء الذات والمجتمع، ومنها ما كان تفاعلاً مع طلب هذه الجهة أو تلك من الجهات، التي كانت تسعى إلى اللقاء والحوار. ممارسةٌ تأخذ حيناً شكل نص، وشكل دراسة مفتوحة حيناً آخر على الشعر في الزمن، بما يحمله من علامات الشدَّة والقحْط. ومهما طالت المدة بين نصوص ودراسات، فإني كنتُ حريصاً على تتبّع فكرة الكتابة نفسها، أعودُ إليها كيْ أستكشفَ جهة لا تزالُ محجوبة فيها. سلوكٌ من طبيعة الكتابة ذاتها، حيث هي في كلِّ مرة تسعى إلى التذكير بالمُستحيل الذي يرافق الكتابة ويجذّر التأمل والتفكير فيها.
والأعمال النثرية مذكرات، يثْبتُ في ثناياها تاريخُ كتابتها. تتخلى هذه النصوص والدراسات عن التقاليد المعهودة في كتابة المذكرات، لأن ما تتناوله لا يحكي عن وقائع يحتاج إثباتُها إلى وثائق عيْنيّة. هي رصدُ مشاهَدة أو سمْع أو قراءَة؛ أيْ ما يحدث علناً هناك وهنا من أنحاء المدينة، في زمن يتنكّر لقيم الحرية والعدالة. مدينة لها اسمُها، وربما كانت تشمل المدنَ جميعاً، بدون تمييز في زمن العولمة. مذكراتٌ كتبتُها في فترات كان العالم العربي ينتقل من زمن ترتفع فيه أصوات المطالبين بالديمقراطية إلى زمن الإسلاميين الذين يحاكمون الحداثة بمفاهيم التكفير ويعملون على فرض الجهل بالعُنف. وفيها كانت الرجّة تعلن عن جذور المتعاليات المغمورة بالتراب والحجر، عن نيران طبقاتها السفلى.
أكثرُ من ذلك. تجرأت الكتابةُ على اقتحام خطاب الشطحات، في صيغة سيرة ذاتية. هنا يمتزج خطُّ الحكاية بخطِّ اللاحكاية، يستقبلُ النثر الشعْر، يسمحُ الامتداد التاريخي للزمن بالانقطاعات والارتدادات، إلى حد أن الماضي والحاضر والمستقبل تتبادل المواقعَ كما تتبادلها ضمائرُ الأنا والأنت والهُو. وفي كل مرة تظهر الكتابة وكأنها متوحّدةٌ بخطاب الأنا ومنفصلةٌ عنه في آن. شطحاتٌ تكاد طريقة كتابتها تبْني سياجاً حولها، حمايةً لها من عدْوى الالتباس بسواها.
3.
بهذه التفرُّعات المتنامية، اكتسبت الأعمالُ النثرية وضعيتَها المستقلة في لغتهَا وفي عوالمها. تعني الوضعية المستقلة أنّ الأعمال النثرية حرصتْ على استكشاف فضائها الخاص. فهي ركّزت على قضايا الحداثة في العالم العربي، وأوضاع القصيدة، وحالات الشعر العربي الحديث. رافقت ذلك كله بتأمّل نظريٍّ وتعاطف مع الأسئلة. ثم إنها سعتْ إلى تتبع الحداثة في العالم العربي، من ركن يلتقي فيه رصدُ الحالات بنقدها. الحداثة التي تتناولها متعددةُ الرؤوس، وهي كانتْ تبرز أكثر فأكثر في الوقائع الشعرية والثقافية، أو الصيرورات الاجتماعية، أو القيم الأخلاقية، بالتلازم مع الإبدالات التي شهدها العالم العربي، مغرباً ومشرقاً على السواء.
من بين أهمّ القضايا التي انشغلتْ والتصقتْ بها نقدُ تبعية الثقافي للسياسي، وتفكيكُ العلاقة بين المشرق والمغرب، والتنبيهُ على احتضار اللغة العربية، ومواجهةُ المآل المعتم لمبدإ الديمقراطية ولقيم الحرية والمساواة والصداقة. وربما كانت "الحداثة المعطوبة" الكلمةَ الجامعة التي لازمتْها نصوص نثرية، اخترقت حدودَها كلما استدعت الضرورة. ملازمة الحداثة المعطوبة كانت صبُورة لأنها كانت باستمرار توليداً وحفراً في طبقات المقاومة التي كانت شبه محجُوبة عن الأنظار، ثم أصبحت وحيدةً ومعزولةً في زمن الجهل الذي يتباهَى به الإسلاميون.
على أن النثر في هذه النصوص يتجاوبُ مع الشعر قبل أن يكون انعكاساً لخطاب اجتماعي أو فلسفي، يلتزم بتصوُّرات ومفاهيم يصدر عنها وفق منهجية قبْلية. كل هذا يستدعي أن أقول إن الأعمال النثرية لم يكن لها معنًى خارج مغامرتها الخاصة في الكتابة، ولا تتحقق لها قيمةٌ إلا بفضل ما تقدمه لها القصيدةُ وما تستقل به عنها. بل أقول إن ما كتبتُه من أعمال نثرية إضافةٌ لتجربة الكتابة الشعرية بقدر ما هي حوارٌ، مع كتابات عربية وغير عربية، له لغة المقاومة.
4.
لا شك أن "المقاومة" فكرةٌ قبل أن تكون مجردَ تجربة. لها في هذه الأعمال مكانتُها، من حيث أننا نتعرف على طاقتها الشعْشعانيّة في فترات صعبة من اختبار معنى الحرية. كانت المقاومة، على امتداد سنوات كتابة الأعمال النثرية، تتجذّر بالكتابة وفي الكتابة. لم يكن بدٌّ من المقاومة في مسالك الثقافة والمجتمع، أو في عواصف الجسد وانعطافة العلاقات الإنسانية في الحياة الثقافية. ومن نص إلى نص كانت المقاومةُ تتسع، تمتدُّ، ترتفعُ، تنتشر. لم تكن حريةُ الشاعر معطاة في العالم العربي، قديماً أو حديثاً. وفي كل لحظة من اللحظات كانت ممارسة الكتابة ممارسةً في الآن ذاته للمقاومة.
هكذا يمكن وصفُ هذه الأعمال النثرية بأنها تجربةُ كتابةٍ تخترق زمناً عربياً، بشروخه ومهاويه. وتصبح التجربة أوضحَ كلما وقفت الكتابة على حافة الخطر. ذلك مصيرُها الذي لا تنْدمُ على مواجهته بعينيْن يقظتيْن. أزيدُ من ثلاثين سنة كانت فيها الكتابة تتعلم المقاومة، وفيها كانت تكتسب سمتَها. نصوص تتجاوب، عبر التفرّعات المتنامية التي يفصل الزمن أحياناً بين بعضها والبعض الآخر.
5.
في جميع هذه النصوص يتفقّد النثر ضوءَ الشعر كما لو كان ضوءَه الخاص. لا لأن النثر لا يوجد إلا بالشعر، بل لأنه يحتاج إلى ضوء الشعر كما لوْ كان يحتاجُ إلى صاحب يرافقه في طريق المغامرة، إلى أخ أو إلى أحد أفراد العائلة. ربما يكون ضوءُ الشعر لعبة يلهو بها النثر. لكنه لا يتخلّى عنها.
وضوءُ الشعر، من جهته، يسيرُ إلى جنب ضوء النثر حتى لا حاجزَ بينهما في الكتابة، سوى درجة كثافة الشعر التي يحتفظ بها ويحافظ عليها. فالشعرُ يعرف أن كثافة ضوئه تتضح في خارجه، في ضوء النثر الذي بدوره يلهُو بلعبة الشعر. لعبة تختلف بين الشعر والنثر، لأن عناصرها وقواعدها مختلفة، من البسيط إلى المركّب. ومن خلالها تنشأ عوالمُ متباينة في الإيقاع، في الصورة، في التركيب، في الفضاء البصري، بالنسبة للشعر؛ وفي بناء الفقرة، في الحكاية، في التصوير، في الاستشهاد، في المفهوم، في التحليل، في البرهان، في الخلاصات، بالنسبة للنثر.
6.
ذلك هو المعنى الذي يمكنني أن أعطيه لهذه الأعمال النثرية، وتلك هي قيمتُها. انطلقت كتابة نصوصها منذ 1981، وفي كل عمل كانت مغامرة الكتابة تكاد تستقل بذاتها. مع ذلك لم أكتبْ نصوصَ كل عمل من الأعمال في تسلسل زمني، له البداية والنهاية. كانت كتابة النصوص تتوزع عبر فترات تطول وتقصر، وغالباً ما لم تكن وحدة العمل مهيمنةً في عملية الكتابة أو في عملية جمع النصوص وإعطائها عنواناً يمنحها شكل كتاب.
هذا ما أقصد عندما أشير إلى أن الأعمال النثرية هي مجموعة نصوص مستقلّة بذاتها، كتبتُها منذ الثمانينيات حتى اليوم. كنتُ أستقبل بعضها بنشوة وبعضها كان ملازماً لحياتي الشعرية والثقافية ومتفاعلاً مع مبادئ ومواقف لا أتنازل عنها. وكنتُ في كتابتها أقتفي خطوات شعراء حديثين في كل من العالم الغربي والعربي. فإذا كان كلٌّ من أبي العلاء المعري ولسان الدين بن الخطيب من أكبر الشعراء العرب القدماء، الذين ألّفوا أعمالاً في الشعر والنثر، فإن كتابة الأعمال النثرية من طرف الشعراء انطلقت بوضوح في الغرب الحديث مع الشاعر دانتي، وأصبحت لاحقاً من خصائص الشعراء وطقوس الكتابة لديهم.
7.
وكان لا بد لي، وأنا أقدم على جمع هذه الأعمال النثرية وتهيئتها للنشر، أن أضيف نصوصاً لم يسبق لي نشرُها في عمل من الأعمال. وحرصتُ، في الوقت نفسه، على أن أمارس ما تتطلبه الكتابة من إعادة الكتابة، بمعناها الشامل. فأنا أعتقد أن جمع الأعمال لحظاتٌ يؤدي بعضُها إلى بعض، ويتجاوب بعضُها مع بعض. ونظراً لأني كنت استفدتُ من نصوص في كتابة أعمال أخرى، أو كتبتُ نصوصاً في ظروف عابرة ولم تعد تجد لها مكاناً في كتاباتي، فقد عملتُ على حذف نصوص وإعادة ترتيب أخرى، أو نقلتُها من كتاب إلى آخر، حسب ما يقتضيه بناءُ الأعمال النثرية في كليتها. كما أنني راجعتُ صياغات، بدّلتُ وصوّبت، اهتداءً بمنطق الكتابة واحتراماً لحدودها.  




محمد بنيس لأعمال الشعرية

سجل محمد بنيس في مقدمة الأعمال الشعرية
( الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر ببيروت وعمان، بالتعاون مع "دار توبقال" في الدار البيضاء، في جزئين ، طبعة أولى سنة 2002 )

"... تعلمت منذ البدء أن السفر إلى القصيدة يتطلب الصبر، وأن الفعل الشعري هو فعل كتابة يفرض اعتماد سلوك التخلي عما يشوش على القصيدة. نسكية علمتها لي القصيدة. وبالضبط تلك التي كانت تمثل تجربة شعرية، لها قيم الحرية والجمال في آن. قدماء وحديثون يجتمعون في مكتبتي وذاكرتي. عرب وأروبيون. بذلك ارتبط فعل الكتابة الشعرية بمعرفة الكيفية التي لي بها أن أكتب قصيدة أسمي بها زمني. لم تكن القصيدة منفصلة لدي عن الزمن. وذلك كان يفضي إلي السؤال بلا مواربة عن معني الزمن وعن معني الشعر في أفق الحداثة. وهنا لربما يكمن السبب الذي جعلني علي الدوام شديد الحرص علي قراءة الأعمال النظرية والنقدية التي تضيء لي القصيدة الحديثة أو الشعر. أعمال فكرية، جمالية، تاريخية، علمية. وفي الفيزياء كان ثمة إغراء يتبلور، شيئا فشيئا، في مراقبتي لما يحدث في الكلمات وبين الكلمات. تلك القصيدة الأولي، الرومانسية، التي كنت عثرت علي ألفتها، لم تصاحبني إلا فترة قصيرة، عندما أحسست بأن قصيدة بدر شاكر السياب (ومعها القصيدة العربية المعاصرة) هي الأقرب إلي نفسي. ما زلت أتذكر العلاقة التي كانت نشأت لي مع بدر شاكر السياب، وأنا أقــرأ ثم أقرأ شعراً يؤالف بين الغنــاء والاستكـشاف والعذاب. دهشة القصيدة. ومنها أخذت أطل علي أرض هي الشعرالعربي المعــاصر. دواوين تتجمع في مكتبتي الصغــيرة وأنا أطـــوف بمكتبات المدينة القديمة، بين زنيقت الصوافين و الـطالعة الصغيرة . مجلات، منها الآداب . أسماء الشعراء المعاصـــرين تتضح. عبد الوهــــاب البياتي، يوسف الخال، صـلاح عبد الصبور، خليل حاوي، بلند الحـــيدري. واسم الحيرة الشعرية أدونيـــس، الذي كان آخر من تعرفت عليهم من هؤلاء الشعراء.
سنوات كنت فيها أنصت، أيضا، للقصيدة الأوروبية الحديثة، من بودلير إلي ملارمي، ومن هلدرلين إلي ريلكه، ومن ييتس وويتمان إلي إليوت وإزرا باوند، ومن لوركا إلي ماتشادو وبابلو نيرودا. أعمال أخري كانت بدورها حاضرة من ثقافات وحضارت. أذكر هنا الكوميديا الإلهية لدانتي التي كانت تتركني (في ترجمتها العربية) منبهراً لأيام. سلالة شعرية تتقاطع مع سلالتي العربية، من امرئ القيس إلي المتنبي، أو من طرفة بن العبد إلي ابن خفاجة، ومن جميل بثينة إلي الحلاج وأبي حيان التوحيدي. دواوين وكتابات عربية تتقاطع وتتناجى مع تجارب شعرية. كتابية. كونية. بها أتعرف على الزمن الشعري الذي هو ما يعنيني في الكتابة."

حياة في القصيدة
مقدمة الأعمال الشعرية

هذا الأزرق شعر محمد بنيس

هذا الأزرق
 شعر 
محمد بنيس 

"هذا الأزرق" هو الديوان الخامس عشر للشاعر محمد بنيس، صدر في بداية سنة 2015 عن دار توبقال للنشر بالدار البيضاء،  ضمن سلسلة تجارب شعرية. الديوان من 296 صفحة من الحجم الكبير، ويتوزع عبر معمارية مؤلفة من أربع مراحل هي : " نحو الأزرق"، "من جهة المتوسط"، "مسرح الأزرق"، و"داخل الخارج". يواصل محمد بنيس رحلة استكشافاته الشعرية في ديوانه الجديد، الذي جعل من اللون الأزرق مجال الكتابة، بعد أن كان تناول هذا اللون في مراحل سابقة من دواوينه، حيث كان الأزرق مصاحباً للقصيدة ولعوالمها المتبدلة.
ويغامر الشاعر في هذا الديوان الجديد، بالكتابة في عالم مجهول، ينتقل فيه بين أمكنة وبين أشياء نألفها ولا نألفها. فهو يرحل من اللغة ومن تاريخ معاني الكلمة إلى الفنون التشكيلية، ثم من مدن متوسطية تمجد الأزرق وتوجد بفضل الأزرق، في الضفتين الجنوبية (المغرب) والشمالية (إيطاليا) معاً، كما هو الحال بالنسبة لمدينتي شفشاون وطنجة، ومنهما ينتقل إلى الصناعة اليدوية مثل الزليج والفخار في مدينة فاس، أو عوالم ثقافية، تجسد مسرح الأزرق، في نصوص هي عبارة عن هوامش على اعترافات القديس أوغسطين، أو تجربة الميلاد الثاني، التي عاشها الشاعر.
ديوان يبني عوالم متعددة، يظهر فيها الأزرق عبر وجوهه اللانهائية، وعبر تفاصيل حياتنا اليومية على نحو عادة ما لا ننتبه إليه. واستكشاف الأزرق في هذا الديوان يعطي الشعر وظيفة إعادة كتابة الحياة (حياة الخارج وحياة الداخل)، فيما هو يقترب من الأزرق في ماديته ويمزج بينه وبين الحساسية والمعرفة والحضارة والتاريخ في رؤية شعرية أصبحت جماليتها من سمات الكتابة عند محمد بنيس.
ديوان "هذا الأزرق" نشيد بلغات متعددة، يستدعي قراءة مفتوحة للمادة والمكان في كتابة شعرية تتداخل فيها الأشكال والأنماط، تحث قارئها على سفر لا يتوقف، تعيد شحذ الحواس وتحرر الفكر من كسل المألوف والمعتاد. ديوان من أجل الرحيل نحو تخوم المجهول والمفاجئ، في زمن نكاد ننسى فيه معنى الشعر المعاصر عندما يكون نشيداً واستكشافاً وحرية.